هذه الهزيمة لم تكن مجرد إخفاق رياضي عابر، بل كشفت بكل وضوح هشاشة البنية التي تنهار تحت وزن مسيرين غاب عنهم الحس الرياضي والوطني، وعلى رأسهم عبد السلام أحيزون، رئيس الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى منذ 2006.
ففي الوقت الذي كان فيه أسلافه يصنعون الأمجاد من لا شيء، وكان محمد نودير يُحقق أول ذهبيتين أولمبيتين في تاريخ المغرب سنة 1984 بميزانية لم تتجاوز 60 مليون سنتيم، جلس أحيزون على كرسي الذهب، محاطًا بملايين الدراهم، ومراكز تأهيل، ومضامير حديثة، واتفاقيات بالمليارات... لكنه فشل في أمر بسيط: خلق منظومة قادرة على صناعة الخلف.
طوال ولايته الممتدة على ما يقارب عقدين من الزمن، لم ينجح الرجل إلا في شيء واحد: التفرج على إنجازات فردية، صنعها الأبطال بإرادتهم الخاصة، خارج المنظومة، ثم استغلالها لتجميل صورته المتآكلة، وسفيان البقالي لم يكن استثناء، بل كان الاستثناء الوحيد الذي استُعمل للتغطية على سنوات من الفشل، تألقه لم يكن بفضل الجامعة، بل أن الأخير اشتغل بعيدًا عن وصايتها، وتكوّن بمجهودات ذاتية، رفقة مدربه، إلى أن اتضح بأنه سيصبح منقذا، ويغطي بشجرته غابة الفشل الذريع لأم الرياضات على عهد رئيسها الحالي.
ومع أول تعثر حقيقي للبقالي، سقط القناع. فعندما غاب البطل، غاب المغرب عن معانقة الذهب، وغاب معها النشيد الوطني في المشهد النهائي العالمي، ما يؤكد أن المنظومة التي بناها أحيزون لم تُنتج لا جيلاً جديدًا ولا نجوماً واعدين، بل مجرد واجهة لواقع مُنهار.
يكفي أن ننظر إلى أرقام المشاركة المغربية في بطولات العالم الأخيرة، غياب تام في نهائي 1500 متر، التخصص الذي أنجب هشام الكروج ورفع الراية الوطنية في كل المحافل، غياب عن نهائي 5000 متر، حيث كانت أسماء كالسكاح وبوطيب تبهر العالم، ثم نتائج هزيلة في باقي السباقات، دون هوية ولا تنافسية.
ولو أن أحيزون، الذي وعد بالكثير من الأشياء دون أن يحققها، جاء بعدائين وعداءات عمرهم سنة واحدة فقط، إلى معهد ألعاب القوى بالرباط، ثم أخضعهم للتكوين على مدى 16 سنة، لكان المغرب يملك اليوم مئات من الأبطال يقبلون على حمل القميص الوطني، وتمثيل بلادنا في أكبر المنتديات الجهوية والقارية والعالمية. وهو ما لم يحدث، ويبدو أنه بعيد المنال، على اعتبار الأخطاء التي وقع فيها الرجل، وتكررت كثيرا، حتى أصبحت هي القاعدة في تدبير شؤون ألعاب القوى المغربية.
وإذا كان الحاضر قاتمًا، فالمستقبل أكثر قتامة، أجيال بأكملها ضاعت في مراكز تكوين لم تُنتج شيئًا، أطفال دخلوا معهد ألعاب القوى بآمال كبيرة، وخرجوا بعد 10 سنوات بلا أفق، بلا تكوين، بلا نتيجة.
ماذا فعل أحيزون خلال 18 سنة؟هل يكفيه أنه بنى مضامير؟ أم أنه وقّع اتفاقيات؟ الرياضة لا تُقاس بعدد المشاريع الورقية، بل بعدد الأبطال على المضمار.
الرياضة المغربية، وأم الألعاب بالخصوص، لا تحتاج اليوم إلى ترقيع، بل إلى قطيعة. قطيعة مع عقلية التسيير بالعشوائية، قطيعة مع من يعتبر الرياضة مجالاً للمجاملات والمصالح الشخصية، قطيعة مع من يرى الكراسي أهم من الميداليات.
سقوط البقالي، رغم ما فيه من مرارة، قد يكون الفرصة الأخيرة ليعيد المغاربة النظر في واقع ألعاب القوى، ويطالبوا برحيل مسؤول حوّل سماء الرياضة إلى حضيض، ووعد بالنهضة فقادها إلى الانحدار.
لم يعد هناك من شجرة تُخفي غابة الفشل. والغابة الآن أصبحت مكشوفة.
