خلف الكواليس المظلمة لنهائي كأس أمم إفريقيا: من أدار الانسحاب السنغالي؟

جرى الترويج لنهائي المغرب والسنغال على أنه لحظة «عودة إلى العقل»، قصة تهدئة في اللحظة الأخيرة، بطلها ساديو ماني النجم الكبير الذي أعاد الأمور إلى نصابها، وكأن ما حدث لم يكن سوى انفعال عابر في مباراة مشحونة. غير أن الصور، عند التمحيص، تروي رواية مختلفة تمامًا: انسحاب منظم، توتر متعمد، مدرجات على حافة الانفجار، وتفصيل صغير لكنه مقلق… بقاء ساديو ماني فوق أرضية الملعب بينما كان الجميع يتجه نحو النفق. هنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: من كان يدير ما حدث؟ ولماذا؟

في 23/01/2026 على الساعة 11:30

خلال الأيام الماضية، تم تكرار الرواية نفسها بإصرار: منتخب سنغالي فقد أعصابه ثم استعاد هدوءه بفضل «حكمة» قائده، ومدرب سابق تدخل بكلمات قليلة ليُنقذ النهائي. رواية جذابة، سهلة الهضم، وتخدم غرضًا واضحًا: تحويل فعل خطير إلى مجرد لحظة توتر عاطفي، وتبييض انسحاب جماعي من الملعب في نهائي قاري.

لكن الواقع أقل شاعرية بكثير. فما جرى في النهائي لا يبدو انفلاتًا عفويًا، بل أقرب إلى سيناريو مدروس، جرى التحضير له ذهنيًا قبل صافرة البداية، ثم تفعيله في التوقيت الأكثر حساسية: لحظة احتساب ركلة جزاء قلبت موازين المباراة، ووضعت الحكم في مرمى النيران.

مدرب السنغال اختار التصعيد. لم يكتفِ بالاحتجاج أو الاعتراض، بل أصدر أمرًا صريحًا للاعبين بمغادرة أرضية الملعب. ليس في مباراة عادية، بل في نهائي كأس أمم إفريقيا، وأمام مدرجات مشتعلة. هذا القرار لا يمكن اختزاله في لحظة غضب، بل يحمل هدفًا واضحًا: كسر ميزان القوى، الضغط على الحكم والمنظمين، وخلق واقع جديد يُجبر الجميع على التفاوض تحت التهديد بالفوضى.

الأخطر في هذا السلوك أنه يفتح بابًا لا ينبغي فتحه: أن يصبح الانسحاب من الملعب وسيلة ضغط مشروعة، وأن يُكافأ من يلوّح بالفوضى بإعادة ضبط الشروط. وهو منطق يضرب في الصميم أحد أسس كرة القدم: احترام قوانين اللعبة .

لماذا بقي ماني؟

عندما صدر أمر الانسحاب، امتثل اللاعبون… باستثناء واحد. ساديو ماني لم يغادر الملعب. ظل واقفًا، يراقب، كأنه ينتظر إشارة ما. هذا التفصيل وحده كفيل بتغيير زاوية القراءة.

ففي كرة القدم، هناك قاعدة معروفة: لا يمكن أن يستمر أي لقاء إذا نزل عدد لاعبي أحد الفريقين عن الحد الأدنى. البقاء عند هذا الحد يترك الباب مواربًا، أما تجاوزه فيفرض قرارًا قسريًا على الحكم والهيئات. في تلك المنطقة الرمادية، يصبح كل شيء محسوبًا: من يخرج، من يبقى، وكم من الوقت يُترك للتوتر كي يتضخم.

وجود ماني لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل جزءًا من معادلة «الفوضى المحسوبة».

تم الترويج دوليًا لفكرة أن تدخّل مدرب سابق هو ما أعاد الأمور إلى نصابها. غير أن الكاميرات التقطت مشهدًا أكثر دلالة: ماني يتجه بخطوات واثقة نحو شخص محدد في المدرجات، ويجده. ذلك الشخص لم يكن عاديًا، بل رمزًا آخر من رموز الكرة السنغالية، وكان منشغلاً بمكالمة هاتفية طويلة في لحظة كان فيها الملعب يغلي.

بعد هذا اللقاء، تغيّر المشهد. ماني عاد إلى أرضية الملعب، أشار بيديه، ودعا زملاءه للرجوع. المدرب، الذي لم يتقدم أصلًا داخل النفق، بدا وكأنه ينتظر تلك الإشارة تحديدًا. لم يعترض، لم يحتج، ولم يُظهر أي تمرد على «القرار الجديد».

الوقائع الثابتة

الوقائع الثابتة تقول: ركلة جزاء واضحة تُحتسب للمغرب، اعتراض عنيف من المدرب السنغالي، انسحاب منظم للاعبين، اقتحام جماهيري، تخريب وفوضى. وفي خضم ذلك، اتصالات هاتفية، تحركات محسوبة، ثم عودة مفاجئة إلى الملعب وكأن شيئًا لم يكن.

هذه السلسلة تطرح أسئلة مشروعة: من كان على الطرف الآخر من الخط؟ لماذا اتجه ماني مباشرة إلى ذلك الشخص؟ ولماذا لم يُبدِ المدرب أي تمسك حقيقي بقراره؟

كل المؤشرات توحي بعملية مُعدّة سلفًا، بأدوار موزعة بعناية: مدرب يتقمص دور الغاضب، جمهور يُستدعى للفوضى، وسيط يتولى التواصل، ونجم يُقدَّم في النهاية في صورة الحكيم المنقذ.

أرضية أُعدّت مسبقًا

ما حدث في النهائي لم يبدأ مع ركلة الجزاء. قبلها بيوم، صدر بيان احتجاجي طويل، شمل كل شيء تقريبًا: النقل، الإقامة، الأمن، التذاكر. الهدف لم يكن الحل، بل تهيئة المناخ ونقل الصراع خارج المستطيل الأخضر.

ثم جاءت تصريحات ما قبل المباراة، التي لوّحت بفكرة «التآمر» و«تعريض اللاعبين للخطر». غير أن الوقائع على الأرض لم تدعم هذه المزاعم: اختيار وسيلة النقل كان قرارًا ذاتيًا، زمن الرحلة معروف، الإجراءات الأمنية كانت معتادة، ولم يُسجل أي حادث فعلي.

لهذا، فإن اختزال ما جرى في «نوبة غضب» ليس سوى قراءة سطحية. ما حدث كان تصعيدًا مُعدًّا، استُخدم في اللحظة المناسبة، وتحوّل إلى أداة ضغط.

الأخطر ليس الانسحاب ذاته، بل ما تبعه: اقتحام جماهيري بدا وكأنه ينتظر إشارة من دكة البدلاء. وكأن الفوضى كانت جاهزة، تنتظر فقط الشرارة الرسمية.

في النهاية، ما شهده النهائي لم يكن ارتجالًا، بل مشهدًا مكتوبًا بعناية، بأبطال ظاهرين وآخرين في الظل. وبين صورة البطل في العلن، ودورٍ مختلف في الكواليس، يبقى السؤال مفتوحًا: من كان حقًا بطل هذه القصة… ومن كان مهندسها؟

تحرير من طرف le360
في 23/01/2026 على الساعة 11:30