منذ الحراك الشعبي، أصبحت حملات توقيف المعارضين أمراً متكرراً، ودخل صحافيون وشعراء وكتاب ونشطاء السجون بسبب مواقف أو آراء اعتُبرت “مسيئة”. غير أن هذه المرة، بحسب متابعين، يتعلق الأمر بسلوك رياضي بحت: ارتداء قميص منتخب أجنبي. وليس أي منتخب، بل منتخب المغرب.
المفارقة أن ارتداء قمصان منتخبات عالمية كالأرجنتين أو البرازيل أو ألمانيا أو إسبانيا أمر شائع في الجزائر، كما في باقي دول العالم، حيث يُعد إظهار الدعم لفرق كبرى جزءاً من ثقافة كرة القدم. لكن، وفق ما يتم تداوله، يبدو أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالقميص الذي يحمل ألوان “أسود الأطلس”.
الضحية في هذه القضية هو الشاب القبائلي إلياس كرنين، البالغ من العمر 22 سنة والمنحدر من آيت مسباح بتيزي وزو. فقد صدر في حقه حكم بالسجن النافذ لمدة سنتين، على خلفية ارتدائه قميص المنتخب المغربي خلال مباراة جمعت شبيبة القبائل بمولودية الجزائر يوم 2 يناير بملعب حسين آيت أحمد بتيزي وزو.
السؤال الذي طُرح بقوة: لماذا ارتدى هذا المشجع قميص المنتخب المغربي؟ في سياق طبيعي، قد يبدو الأمر عادياً، غير أن الظرفية التي حدث فيها ذلك أعطت المسألة بعداً مختلفاً.
ففي الفترة نفسها كانت بطولة كأس إفريقيا تُقام بالمغرب، وشهدت بداياتها أجواءً وصفت بالحارة والودية بين جماهير البلدين، حيث تحدث كثيرون عن حسن الاستقبال الذي لقيه الجزائريون في المدن المغربية، هذا المناخ، بحسب ما أوضحه الصحافي عبدو سمار في حلقة بثها عبر قناته على يوتيوب يوم 22 فبراير، دفع بعض الجزائريين إلى التعبير عن دعمهم للمنتخب الوطني المغربي بارتداء قميصه، وهو ما ظهر في مدرجات البطولة مع انطلاق المنافسات.
غير أن ارتداء القميص داخل الجزائر، كما يرى متابعون، كان الخطأ الذي كلّف الشاب إالياس حريته، إذ تشير منشورات متداولة إلى أنه أُدين بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية”.
ويؤكد الصحفي عبدو سمار أن الشاب لا تربطه أي علاقة بحركة “الماك” المصنفة تنظيماً إرهابياً في الجزائر منذ 2021، ما يجعل الواقعة، بحسبه، مرتبطة فقط بالقميص الذي كان يرتديه.
غياب التغطية الإعلامية الرسمية فتح الباب أمام اتهامات اعتبرت القصة “فبركة” من الإعلام المغربي بهدف الإساءة إلى صورة الجزائر. غير أن عبدو سمار، مؤسس موقع “ألجيري بارت”، شدد في تحقيقه على أن المعلومة ظهرت أولاً عبر منشور للناشطة مسعودة شاب الله بتاريخ 7 يناير، وهي زوجة الناشط السياسي فتحي غراس، أحد أبرز معارضي السلطة والرئيس السابق لحركة الديمقراطية الاجتماعية، الذي سبق أن أوقف عدة مرات بسبب مواقفه السياسية.
ونشرت مسعودة شاب الله، المنحدرة من القرية نفسها التي ينتمي إليها الشاب، صورة إلياس كرنين وأعربت عن استنكارها للحكم الصادر في حقه، متسائلة عن سبب تجريم ارتداء قميص أجنبي في وقت يرتدي فيه جزائريون قمصاناً تحمل أعلام دول أخرى دون أن يُشكك أحد في وطنيتهم. ووصفت ما حدث بأنه “سابقة خطيرة في تاريخ الجزائر المستقلة”، داعية إلى إطلاق سراح جميع “المظلومين”.
وبحسب سمار، فإن القضية حقيقية وليست إشاعة، مؤكداً أنه حاول التواصل مع عائلة الشاب ومقربيه للحصول على شهاداتهم، غير أنهم امتنعوا عن التعليق بدافع الخوف.
وهكذا تحولت قطعة قماش رياضية إلى محور جدل سياسي وقانوني واسع، في قضية تعكس حجم الاحتقان والانقسام، وتطرح تساؤلات عميقة حول حرية التعبير، حتى عندما يتعلق الأمر بكرة القدم.
