في مساء 18 يناير 2026، وعلى أرضية مركب مولاي عبد الله، وقبل ضياع ضربة الجزاء في الوقت بدل الضائع، وقبل أي جدل لاحق، كانت هناك لقطة عابرة لكنها دالّة، إبراهيم مباي، البالغ من العمر 17 عامًا، اخترق مساحة ضيقة، تجاوز إسماعيل صيباري ثم نايف أكرد، وسدد كرة قوية بيسراه، تصدى لها ياسين بونو برد فعل استثنائي. ثانيتان فقط، لكنهما اختزلتا قصة أطول بكثير.
AFP
لم يكن مباي مجرد تهديد سنغالي في تلك اللحظة، بل مثّل رمزًا لفرصة ضائعة من الجانب المغربي. اللاعب، المولود لأب سنغالي وأم مغربية، كان قد دخل في نقاشات سابقة مع الطاقم التقني المغربي، وأبدى استعداده لحمل القميص الوطني. غير أن مقاربة إدماجه اصطدمت برغبة في المرور الإجباري عبر المنتخبات السنية، في وقت كان اللاعب يرى نفسه جاهزًا للمستوى الأول.
بينما تردّد المغرب، حسم السنغال خياره بسرعة: استدعاء مباشر للمنتخب الأول، مشاركة في كأس إفريقيا، وثقة كاملة في موهبة شابة. وفي النهائي، كاد مباي أن يكتب التاريخ ضد منتخب كان بإمكانه أن يمثله.
مشهد تتويج هذا اللاعب بالكأس الإفريقية، في حضور مدرب المنتخب المغربي، عكس قسوة اللحظة، وطرح تساؤلات صريحة حول طريقة تدبير الانتقال بين الأجيال.
Senegal players celebrate with the trophy after winning the Africa Cup of Nations (CAN) final football match against Morocco at the Prince Moulay Abdellah Stadium in Rabat on January 18, 2026. (Photo by Paul ELLIS / AFP). AFP
قبل ذلك بأشهر، كان المغرب قد حقق إنجازًا تاريخيًا بتتويجه بكأس العالم لأقل من 20 سنة في تشيلي. إنجاز كان من المفترض أن يشكل نقطة تحول حقيقية.
عثمان معمّا، صانع ألعاب تلك البطولة، تألق بشكل لافت، تُوّج بجائزة أفضل لاعب، وواصل بروزَه على مستوى الأندية، إلى أن حصد جائزة أفضل لاعب في “تشامبيونشيب” خلال دجنبر.
في الليلة نفسها التي تُوّج فيها أشرف حكيمي بالكرة الذهبية الإفريقية، نال معمّا جائزة أفضل لاعب شاب في القارة. إلى جانبه، برز ياسر زابيري كهداف للمونديال بخمسة أهداف، منها ثنائية في النهائي. ورغم ذلك، بقي هذان الاسمان بعيدين عن المنتخب الأول.
Achraf Hakimi remporte le Ballon d'Or africain 2025. FRMF
لا يتعلق الأمر بحرق المراحل أو الزج بلاعبين صغار السن دون حماية، بل بالاعتراف بالكفاءة حين تفرض نفسها. بطولات الفئات السنية لا تكتسب قيمتها إلا إذا فتحت الطريق نحو النخبة. الاحتكاك بالمستوى الأول، والعيش داخل غرفة ملابس المنتخب، والتعامل مع الضغط الدولي، كلها عناصر أساسية في تكوين اللاعب.
حين تغيب هذه الاستمرارية، تتشكل فجوة صامتة بين الأجيال، ويبدأ الجيل الصاعد في النظر إلى المنتخب الأول كفضاء مغلق.
خلال البطولة، بدا المنتخب المغربي منظمًا ومنسجمًا، لكنه أيضًا جامدًا. نفس الأسماء، نفس الأدوار، نفس النسق. الاستقرار منح الفريق توازنًا، لكنه في المقابل حدّ من قدرته على التكيّف. في النهائي، ظهرت الصعوبات بوضوح: قلة الاختراق، صعوبة خلق الحلول في المساحات الضيقة، وغياب عنصر المفاجأة.
إصابة حمزة إيغامان، الذي خاض النهائي وهو غير مكتمل الجاهزية، زادت من هشاشة الوضع. في مثل هذا المستوى، لا يكون إنهاء مباراة نهائية دون حلول هجومية مؤثرة مجرد صدفة. دكة البدلاء يفترض أن تكون ورقة لتغيير المعادلة، لكن المنتخب افتقد لاعبين قادرين على كسر الإيقاع وفرض سيناريو مختلف، وهي خصائص تتوفر في أسماء شابة من جيل المونديال.
تجربة الأرجنتين تقدم نموذجًا مغايرًا. بعد تتويجها بكأس العالم 2022، كان بإمكانها تجميد مجموعتها، لكنها اختارت ضخ دماء جديدة بسرعة. المدرب ليونيل سكالوني فتح الباب أمام لاعبين شباب قبل وبعد كأس العالم لأقل من 20 سنة، معتمدًا معيار الجدارة بدل الأسبقية. في الوقت الذي استدعت فيه الأرجنتين لاعبين من منتخب شاب خسر نهائي المونديال أمام المغرب، لم يتم استدعاء أي عنصر من منتخب مغربي تُوّج باللقب العالمي.
هذا التباين في المقاربة لا يطرح سؤالًا تقنيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. حين لا يرى اللاعب الشاب مسارًا واضحًا نحو المنتخب الأول، يبدأ في التردد. اللاعبون مزدوجو الجنسية يعيدون الحسابات، والمواهب تبحث عن الطريق الأقصر نحو المنافسات الكبرى. التأخر في الإدماج قد يُفهم كرسالة انغلاق، وقد يدفع بعض الأسماء إلى مراجعة اختياراتها.
المفارقة أن المغرب يعيش مرحلة استثنائية من حيث التكوين والنتائج: أكاديميات فعالة، تصدير متزايد للمواهب، ونجاحات متواصلة للمنتخبات السنية. التحدي الحقيقي اليوم هو ربط هذه القاعدة بالقمة، لا الفصل بينهما.
كأس العالم 2026 تقترب. وليد الركراكي مدرب صاحب شخصية قوية، وهي ميزة لا غنى عنها. لكن قوة الشخصية لا ينبغي أن تتحول إلى تصلب في الرؤية. التجربة نفسها أظهرت أن المغرب قادر على التعلم من الإخفاقات: خسر نهائي كأس إفريقيا لأقل من 20 سنة أمام السنغال، ثم عاد بعد أشهر قليلة ليتوج ببطولة العالم.
Walid Regragui. AFP
الحلم بتكرار هذا السيناريو مع المنتخب الأول يظل ممكنًا، لكن تحققه يمر عبر الإيمان بالشباب، ومنحهم الثقة، ودمجهم في اللحظة المناسبة، حتى يحملوا الحلم دون عقد، وبطموح يتجاوز الخوف من الخطأ.










































