وخلال تصريحات مطولة حملت اتهامات ثقيلة تجاوزت الإطار الرياضي، واتجهت نحو التشكيك في نزاهة التنظيم وفي طبيعة العلاقة بين المنتخب الوطني المغربي والاتحاد الإفريقي لكرة القدم. خروج إعلامي بدا لافتًا في توقيته ومضمونه، خاصة أنه تزامن مع دراسة اللجنة التأديبية التابعة لـ«الكاف» للأحداث التي رافقت المباراة النهائية، وما قد يترتب عنها من قرارات في حق المنتخب السنغالي.
AFP
في حديثه، حاول رئيس الاتحاد السنغالي تبرير البيان الذي صدر قبل النهائي، والذي تضمن انتقادات تتعلق بالإقامة، الملاعب التدريبية، الحصة المخصصة من التذاكر، وحتى ظروف الاستقبال. بل ذهب أبعد من ذلك حين أقر بأن هذا البيان كان مطروحًا منذ ما قبل التأهل إلى المباراة النهائية، وهو ما يوحي بأن منطق التصعيد الإعلامي لم يكن مرتبطًا فقط بما حدث في يوم النهائي، بل كان خيارًا معدًا سلفًا.
غير أن هذه الرواية تصطدم بمعطيات تنظيمية ثابتة، إذ إن المنتخب السنغالي خاض البطولة انطلاقًا من مقر إقامة معتمد بمدينة طنجة، ولعب جميع مبارياته على أرضية الملعب الكبير للمدينة نفسها، في ظروف تنظيمية خضعت لمراقبة ومصادقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، كما هو الحال بالنسبة لبقية المنتخبات المشاركة.
Morocco's midfielder #17 Abde Ezzalzouli, Senegal's defender #24 Antoine Mendy and Morocco's midfielder #11 Ismael Saibari vie during the Africa Cup of Nations (CAN) final football match between Senegal and Morocco at the Prince Moulay Abdellah Stadium in Rabat on January 18, 2026. (Photo by Paul ELLIS / AFP). AFP
وفي ما يخص التداريب، أبدى فال تحفظه على إجراء الحصص التدريبية بمركب محمد السادس لكرة القدم، رغم اعترافه الصريح بمستواه العالمي، مبررًا ذلك بدواعٍ تتعلق بالسرية التقنية. وهو قرار يندرج ضمن حرية الاختيار، غير أن الواقع يؤكد أن البديل الذي طلبه لاحقًا، والمتمثل في الملعب الملحق لمركب مولاي عبد الله، تمت الاستجابة له دون أي تعقيد.
أما بخصوص الاستقبال والأمن عند وصول البعثة السنغالية إلى الرباط، فقد تحدث رئيس الاتحاد عن غياب التأطير الأمني، وهي اتهامات وُصفت بالخطيرة، خاصة في ظل عدم تسجيل أي حادث رسمي أو بلاغ يؤكد وقوع اختلالات أو تهديدات. إذ جرى اعتماد بروتوكول أمني عادي، تشارك فيه المصالح المختصة، دون تسجيل أي مساس بسلامة الوفد أو بالنظام العام.
Senegal players celebrate with the trophy after winning the Africa Cup of Nations (CAN) final football match against Morocco at the Prince Moulay Abdellah Stadium in Rabat on January 18, 2026. (Photo by Paul ELLIS / AFP). AFP
وفي سردٍ مطول لكواليس الاتصالات مع مسؤولي الاتحاد الإفريقي، قدّم فال رواية توحي بوجود تداخل في الأدوار وضغوط غير مباشرة، قبل أن يتراجع ضمنيًا حين أقر بأن جميع المطالب التي تقدم بها لاحقًا تمت معالجتها بسرعة، سواء تعلق الأمر بتعزيز الإجراءات الأمنية، أو تغيير ملعب التداريب، أو توسيع لائحة المستفيدين من التذاكر. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى إخراج هذه التفاصيل إلى العلن وتحويلها إلى مادة للاتهام، بدل حصرها داخل القنوات الرسمية.
وفي نهاية المطاف، بدا أن التحكيم كان النقطة الأكثر حساسية في هذا الملف، إذ عبّر رئيس الاتحاد السنغالي عن امتعاضه من توقيت الإعلان عن الطاقم التحكيمي، مؤكدًا أن بعثته أعدت رسالة احتجاج حتى قبل نهاية المباراة. هذا التوتر انعكس بشكل مباشر على أجواء النهائي، حيث شهدت المواجهة ردود فعل غير مسبوقة، شملت احتجاجات ميدانية، توترًا في المدرجات، محاولات اقتحام لأرضية الملعب، وتوقفًا نادرًا للعب، وهي مشاهد أسهمت في تشويه صورة مباراة كان يُفترض أن تكون تتويجًا لبطولة عرفت تنظيمًا محكمًا ومستوى فنيًا مرتفعًا.
AFP
الأخطر في تصريحات فال تمثل في نقله الصراع من بعده الرياضي إلى بعد سياسي، عبر ربطه بين موقع المنتخب الوطني المغربي داخل الهياكل القارية ومسار القرارات داخل الاتحاد الإفريقي، في خطاب سعى إلى تكريس صورة “الضحية” وتحويل الجدل الرياضي إلى معركة نفوذ. وهي مقاربة يرى متابعون أنها تحمل مخاطر كبيرة، لأنها قد تنقلب على أصحابها، خاصة في لحظة دقيقة يُفترض فيها الاحتكام إلى الوقائع والوثائق، لا إلى الانطباعات والخطابات.
وفي انتظار ما ستسفر عنه قرارات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، يبقى المؤكد أن نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 كان محطة كبرى في مسار الكرة الإفريقية، وأن إخراجه من إطاره الرياضي وتحميله أبعادًا تتجاوز الملعب لا يخدم لا صورة المنافسة، ولا مبدأ التنافس النزيه الذي يفترض أن يجمع جميع المنتخبات تحت سقف واحد.


































