منذ وصول بعثة “الفراعنة” مساء الاثنين 12 يناير 2026 إلى مطار ابن بطوطة، بدا واضحًا أن كل تفصيل كان محسوبًا بدقة. إجراءات الاستقبال جرت بسلاسة، تخللتها لمسة مغربية أصيلة، قبل أن تتجه الحافلة المخصصة، تحت إشراف أمني منظم، نحو مقر الإقامة على كورنيش المدينة.
هناك، لم يكن اختيار الفندق مجرد عنصر راحة، بل جزءًا من فلسفة التهيئة الذهنية، حيث الهدوء، واتساع الأفق، وإيقاع البحر الذي يمنح اللاعبين مساحة للتقاط الأنفاس قبل مواجهة نصف النهائي.
في بهو الفندق، الذي يحمل تاريخًا عريقًا في الذاكرة السياحية للمدينة، تحوّل الاستقبال إلى مشهد احتفالي متوازن، جمع بين الترحيب الشعبي والالتزام البروتوكولي. حضور جماهير مغربية ومصرية، وأنغام موسيقية شمالية، وهتافات عفوية، صنع أجواء ودّية لافتة، كان نجمها الأبرز محمد صلاح، الذي خطف الأضواء كعادته، في مشهد أكد أن كرة القدم لغة عابرة للحدود.
مشاهد تبرز حياة الرفاهية التي عاشها منتخب مصر بمدينة طنجة
لكن قيمة الاستقبال لم تتوقف عند اللحظة الرمزية. فداخل الفندق، وُضعت كل الإمكانات رهن إشارة الطاقم الفني: قاعات عمل، تنظيم دقيق للوجبات وفق متطلبات اللاعبين، ومتابعة مستمرة لأدق التفاصيل اليومية. هنا، تجسدت فكرة أن الاحتراف لا يُقاس بالمظاهر فقط، بل بالقدرة على الاستجابة لحاجيات فريق يعيش ضغط المنافسة.
عشية نصف النهائي، انتقل المنتخب المصري إلى حصة تدريبية في منطقة أجبيلة، حيث اكتشف اللاعبون ملعبًا يتمتع بأرضية عالية الجودة، اعتُبرت من الأفضل في شمال المملكة. عملية التنقل نفسها كانت مثالًا في الانضباط: حافلة مخصصة، مسار واضح، توقيت مضبوط، وكل ذلك في أجواء هادئة ساعدت الطاقم على التركيز الكامل في الجانب الفني.
وخارج الإطار الرسمي، تكرر مشهد التفاعل الجماهيري الإيجابي. مشجعون مصريون جاؤوا لدعم منتخبهم، وآخرون مغاربة بدافع الفضول والمحبة، التفوا حول الحافلة والفندق دون مظاهر توتر. صورة تعكس روح بطولة قارية تسعى إلى الجمع بين التنافس والاحترام المتبادل.
يوم المباراة، سارت الاستعدادات بالنسق نفسه. وجبات منظمة، تعامل مهني من طاقم الفندق، وإشارات تقدير متبادلة قبل التوجه إلى الملعب. في الخارج، كان الحضور الأمني واضحًا لكنه غير مُربك، ما سمح بانتقال سلس، يليق بحجم الحدث.
اللافت أن الخروج من المنافسة لم يُغيّر من طبيعة التعامل. فحتى بعد الإقصاء، حافظت البعثة المصرية على الظروف نفسها من الرعاية والتنظيم، قبل انتقالها إلى الدار البيضاء عبر قطار “البراق” لخوض مباراة الترتيب، في امتداد لمنظومة لوجستية متكاملة.
هكذا، لم يكن مقام المنتخب المصري في طنجة مجرد محطة رياضية عابرة، بل تجربة تنظيمية متكاملة، عززت الانطباع بأن كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب ليست فقط مباريات ونتائج، بل حدث قاري يُدار بروح الاحتراف، حيث تُقاس قيمة البطولة بمدى العناية بضيوفها، بقدر ما تُقاس بما يُقدم فوق المستطيل الأخضر.





































