يقلب “أسود الأطلس” المعطيات، حين أطاحوا بالكاميرون ونجمها بريان مبومو في ربع النهائي، أداءً ونتيجة، بفوز نظيف دون أن يُمنح “الأسود غير المروضة” أي فرصة حقيقية لتهديد المرمى، قبل أن يكرروا السيناريو أمام نيجيريا، صاحبة المشوار المثالي بخمسة انتصارات متتالية، وقوتها الهجومية الضاربة التي سجلت 14 هدفًا بقيادة فيكتور أوسيمن وأديمولا لوكمان وأكور أدامس.
يُحكم المنتخب الوطني المغربي قبضته الدفاعية، حيث لم تنجح “النسور الممتازة”، على غرار الكاميرون، في تهديد مرمى ياسين بونو سوى في مناسبتين، إحداهما تسديدة بين الخشبات الثلاث تصدى لها حارس الهلال السعودي بثبات، قبل أن يتحول إلى بطل في سلسلة الركلات الترجيحية بتصديه لركلتين حاسمتين.
تنهال الإشادات الإعلامية على وليد الركراكي لحظة دخوله قاعة المؤتمر الصحافي بعد الإطاحة بنيجيريا، إذ لم تغب التهاني ببلوغ النهائي الثاني في تاريخ المنتخب الوطني المغربي، والأول منذ 22 عامًا، منذ مشاركته لاعبًا في نسخة تونس، كما طُرحت عليه تساؤلات حول ما إذا كان هذا التأهل يمثل انتقامًا شخصيًا أو ردًّا على الانتقادات.
ينفي الركراكي أي منطق للانتقام، مؤكدًا: “لا على الإطلاق، لا يتعلق الأمر بالانتقام أو إسكات المنتقدين أو الحقد. كانت حملة قاسية، لكنها لم تؤثر فيّ. واصلنا العمل لأنني بطبعي هكذا، في حياتي الشخصية كما في كرة القدم، إنسان مؤمن، وديني لم يعلمني الحقد، ومبادئي وقيمي وتربية والديّ هي ما يوجّهني. ما يهمني هو تقدير الذات، وهذا ما أقوله للاعبين”.
يضيف المدرب الوطني قناعته الشخصية حين يقول: “لا أنتظر من الناس أن تقول إنني مدرب جيد أو سيئ، ولهذا يعتبر البعض ذلك غرورًا. في المغرب لم نتربَّ نفسيًا على هذا الأمر، لكنني جئت بمبادئي والقيم التي غرسها والداي فيّ”.
يؤكد ثقته في نفسه، موضحًا أن إيمانه بقدراته لا يتأثر بأحكام الآخرين: “هناك من يقول إنني ابن عامل بناء ولا يجب أن أحلم، لكنني أقول لنفسي إنني ابن بناء وقادر على فعل شيء، حتى لو قيل لي إنني غير قادر. هذا لا يمنعني من العمل ولا من الثقة بنفسي”.
يشدد على استمرارية الإنجاز، معتبرًا أن مسيرته لا يمكن أن تُمحى بسبب نتيجة واحدة، حتى لو كان الخروج من الدور الأول: “لا أحد يمكنه محو ما حققته سابقًا. اليوم لا أقول إنني الأفضل، لم يمنحني أحد شيئًا سوى الله. الأهم أن المنتخب الوطني المغربي في نهائي كأس إفريقيا، وربما الضغط هو ما جعلني أركز وأغيّر أشياء داخل المنتخب”.
يثني على روح المجموعة، مشيدًا بدور غرفة الملابس في الصمود أمام الانتقادات: “المجموعة حمتني، اللاعبون يحبون مدربهم”، قبل أن يحوّل تلك العلاقة إلى مطلب واضح: “قلت لهم إن عليهم أن يردوا ذلك لي داخل الملعب”.
يتقبل قسوة النقد، مؤكدًا أن الضغط جزء من كرة القدم المغربية: “النقد أمر طبيعي، فأي هزيمة أو حتى تعادل في المغرب يُعد كارثة”، قبل أن يوسّع رؤيته نحو التاريخ القريب للكرة الوطنية: “أنا سعيد أيضًا من أجل اللاعبين السابقين الذين ساهموا في بناء هذه المجموعة باختيارهم المغرب مبكرًا”.
يختم بنبرة وعي واستمرارية، حين يقول: “نحن نجني ثمار العصر الذهبي لكرة القدم المغربية، لكن لا يجب أن ننسى من أين بدأنا. يجب أن نغيّر حمضنا النووي، وأن نعتاد على بلوغ نصف النهائي، فكلما كنا أكثر انتظامًا، زادت فرصنا في الفوز بالألقاب”.
يواصل المنتخب الوطني المغربي مساره نحو اللقب القاري، مدفوعًا بمجموعة متماسكة، وجمهور متجدد، ومدرب حافظ على هدوئه وخطه رغم العواصف، إلى أن قاد الفريق إلى النهائي، على بُعد خطوة واحدة من كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة الوطنية.
