مونديال 2030... ساعة الحقيقة تدق

مقال رأيلن تكون عمليات التفتيش سوى مرحلة أولى، أما الحكم النهائي فسيأتي لاحقاً. وإلى ذلك الحين، سيكون على المشاريع أن تغادر قاعات الاجتماعات لتواجه اختبار الميدان. فـ«فيفا» لن تمنح علامة 10/10 من باب المجاملة أو بدافع النوايا الحسنة، بل ستنتظر الأدلة والنتائج، من دون أي اعتبار للعواطف.

في 29/10/2026 على الساعة 13:00

بهذا المعنى، رسم الاتحاد الدولي لكرة القدم « فيفا »، ملامح المرحلة المقبلة في بلاغه الصادر يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026. ففي نونبر ودجنبر، ستجوب لجان التفتيش المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وعند جيراننا الإسبان، يسمون ذلك Prueba del algodón، أي «اختبار القطن»، وهو الاختبار الذي يكشف النظافة الحقيقية خلف المظاهر البراقة. أما في المغرب، فيذكّرنا المثل الشعبي بأن «نهار اللول يموت المش»، أي أن اليوم الأول قد يكون كافياً لكشف الحقيقة، مهما كانت الصورة التي أُريد لها أن تظهر.

ستتساقط أوراق الخريف، غير أن الوعود سيكون عليها أن تصمد أمام اختبار الميدان. ففي كرة القدم كما في مشاريع الأشغال العمومية، يحدث أحياناً أن يتقدم حفل التدشين على الورش نفسه بمراحل.

الملاعب، ووسائل النقل، والإيواء، ومراكز التدريب، والولوجيات، والتنقلات... لن يُفترض أن يفلت أي تفصيل من أعين المفتشين. ولن يتعلق الأمر بجولة مجاملة، ولا بمسابقة في تقديم عروض «PowerPoint»، ذلك الفن الذي تُشيَّد فيه الملاعب بثلاث نقرات، وتختفي فيه التأخيرات بمجرد الانتقال إلى الشريحة الموالية.

سيكون على «فيفا» أن تميّز بين المشاريع الناضجة والأحلام التي ما تزال غارقة في الأشغال. فالوعود مجانية، لكن الوفاء بها له تكلفة، وأحياناً تكلفة باهظة.

نتذكر برنامج «مدرسة المعجبين»، الذي كان يقدمه جاك مارتان، حيث كان الأطفال يغادرون الاستوديو وقد حصلوا جميعاً على العلامة الكاملة: 10/10. أما في مونديال 2030، فليس هناك ما يضمن أن يكون أعضاء لجنة التحكيم بالقدر نفسه من الحنان.

ستكون الملفات مرتبة، والمجسمات مغرية، والجداول الزمنية مطمئنة. لكن يبقى السؤال الأقل جاذبية من الناحية الإعلامية: ما الذي سيكون جاهزاً بالفعل؟ ومتى؟ وبأي تكلفة؟

كل بلد يعرف كيف يسوّق حلمه. لكن الأهم أن توقّع الحقيقة على طلب الشراء، وألا تتراجع عن التزامها في اللحظة الأخيرة.

المغرب: بروفتان وطموح بحجم أكبر

لا يدخل المغرب سباق مونديال 2030 من أرض مجهولة. فقد منحت كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة المملكة فرصتين للتدرب على تنظيم التظاهرات الكبرى، لكنهما كانتا أيضاً مناسبتين لتأكيد خبرة تنظيمية وقدرات باتت راسخة بشكل متزايد.

الاستقبال، والتنظيم، والتعبئة... كلها مجالات أتيحت للمغرب فرصة اختبار قدراته فيها، والوقوف على مدى جاهزية منظومته. لذلك، لن ينطلق في 2030 من صفحة بيضاء، بل من دفتر ملاحظات امتلأ بالتجارب والدروس.

وفي مثل هذه الامتحانات، تظل الخبرة نقطة قوة لا تظهر دائماً في عروض «PowerPoint».

يجسّد ملعب الحسن الثاني الكبير طموح المغرب إلى الذهاب بعيداً، وإلى وضع نفسه ضمن مصاف البلدان القادرة على احتضان أكبر التظاهرات الكروية العالمية.

لكن المونديال لا يُختزل في ملعب استثنائي، مهما بلغت روعة تصميمه أو حجم مدرجاته. فالتجربة تبدأ من المطار، وتمتد إلى الفنادق والشوارع ووسائل النقل، قبل أن تبلغ ذروتها في المدرجات.

أما المشجع، فلا يسافر بطائرة مسيّرة! إنه يريد الوصول في الوقت المناسب، والاستمتاع بالمباراة، ثم العودة بذكريات جميلة، لا بتحطيم رقمه الشخصي في أطول رحلة بين الفندق والملعب.

الدار البيضاء، والرباط، وطنجة، ومراكش، وأكادير، وفاس... ست مدن، وست هويات، ولكل واحدة منها نصيب من هذا الطموح.

إنها فرصة لتقديم مغرب متعدد الوجوه، مضياف، ومتطلع بثقة إلى المستقبل. ويمكن لهذا التنوع الجغرافي أن يتحول إلى نقطة قوة، لأنه يمنح الزوار أكثر من مجرد برنامج للمباريات.

لكن ذلك يظل رهيناً بمدى قدرة وسائل النقل والربط بين المدن والملاعب ومرافق الإيواء على مواكبة هذه الوعود. فالصورة الجميلة موجودة، والتحدي الحقيقي هو أن تكون الخدمات اللوجستية في مستوى جاذبية المشهد.

يتوفر المغرب على رصيد ثمين: شغف جماهيري، وحسن استقبال، وتجربة متنامية في تنظيم التظاهرات الكبرى، وقدرة على التعبئة تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المستطيل الأخضر.

هذه المزايا لا تعوّض الاستثمارات، لكنها تمنحها معناها. للورش آجاله، وللميزانيات حدودها، أما الطموح فيمكن أن يكون محركاً أساسياً للتقدم. وعندما تلحق الإنجازات الفعلية بالوعود، يتوقف الطموح عن كونه مجرد شعار، ويصبح حجة قوية في ملف التنظيم.

صحيح أن المساطر المحكمة والعمليات التنظيمية الصلبة أفضل من الوعود، لكن المغرب يملك ما يكفي للنظر إلى هذا الموعد بثقة: منافسات حديثة للاستفادة من دروسها، وبنيات تحتية قابلة للتطوير، ومدن مستعدة للاستقبال، وموعد تاريخي قادر على توحيد الجهود.

لو كان جاك مارتان حاضراً، لطلب من كل مدينة أن تغني أغنيتها. أما «فيفا»، فستستمع إلى أداء الجوقة، ثم ستتحقق من مدى انسجام النغمات وصحتها.

لقد بدأ المغرب التداريب بالفعل. وما تبقى هو ترجمة ذلك إلى نتيجة ملموسة، بطموح هادئ يشبه طموح الفرق التي تعرف أن مكانها الطبيعي هو المنافسة على أعلى مستوى.

إسبانيا: Don Quichotte والفاتورة

يبدو مونديال 2030 في إسبانيا، أحياناً، وكأنه فصل من رواية لميغيل دي سيرفانطيس. Don Quichotte يهاجم طواحين الهواء، والطموحات الجهوية تتصادم، فيما يتساءل سانشو بانزا عن الشخص الذي سيتكفل بأداء الفاتورة.

الأول يمتلك الخيال، أما الثاني، فله انشغال أكثر واقعية: الخزينة.

برشلونة، ومدريد، وبلباو، وسان سيباستيان، وإشبيلية، ولاس بالماس، وسرقسطة، من بين المدن المرشحة لاستقبال زيارات التفتيش التي أعلنت عنها «فيفا».

وخلف هذه الخريطة المليئة بالطموحات، يفرض سؤال أقل رومانسية نفسه: كم ستتطلب هذه الترشيحات من استثمارات حتى تتحول إلى مواقع جاهزة للعمل فعلياً؟

قد ينجح ملف ترشيح في إشعال حماس جهة بأكملها، لكن التقديرات المالية لا تتمتع دائماً بالقوة نفسها في توحيد الصفوف.

في فبراير 2025، قدّر الاتحاد الإسباني لكرة القدم الاستثمارات الضرورية لتأهيل أحد عشر ملعباً ومراكز الإقامة والتدريب بنحو 540 مليون يورو.

وستظل الفاتورة النهائية مرتبطة بطبيعة الأشغال التي سيجري اعتمادها والاختيارات المالية التي ستُحسم لاحقاً.

وفي إقليم الباسك، للحماس حدوده أيضاً: حدود الفاتورة. فهناك مشاعر لا تعترف بالحدود، لكن تجاوزات الميزانية تعرف جيداً كيف تعبرها.

على أمواج الإذاعات الإسبانية، انطلقت منافسات المونديال قبل موعد المباراة الأولى بسنوات. تدافع المدن عن ملفاتها كما تدافع الأندية عن ألوانها، بكل ما تحمله المسألة من حماس وحساسيات محلية.

وبهذا الإيقاع، قد يصبح من الضروري تنظيم كأس عالم خاصة بالبرامج الإذاعية، مع أشواط إضافية وركلات ترجيح وتقنية الفيديو للفصل بين الخبراء. أما الجائزة الكبرى، فستكون حق التعليق على الأشغال!

لكن هناك حكماً لا تنطلي عليه الخطب الحماسية: الميزانية.

إنها لا تعترف بالنشيد الجهوي، ولا بصراعات الأسبقية. كل ما تفعله هو الجمع والطرح، ثم تقديم الفاتورة.

يمكن لـ Don Quichotte أن يواصل مهاجمة طواحين الهواء، لكن سانشو بانزا سيظل يطالب بالوثائق والتبريرات. ففي هذه المباراة، لا تُحتسب الخطابات إيرادات، ولا تُقبل الوعود وسيلةً للأداء.

وفي 29 نونبر، سيكون الإسبان على موعد مع الانتخابات العامة. وقد يتغير ساكن قصر «لا مونكلوا»، مقر الحكومة الإسبانية، لكن المواعيد المرتبطة بالمونديال لن تدخل الحملة الانتخابية.

الحكومات تتغير، أما الالتزامات، فيبقى الوفاء بها واجباً. وقد يغيّر التناوب السياسي المشهد، لكنه لا يمحو الفواتير.

يمكن لطواحين الهواء أن تغيّر مالكيها، لكن الفاتورة لا تنسى عناوينها السابقة.

البرتغال: بين الحنين إلى الماضي والتقشف

تملك البرتغال ورقة قوة مهمة: تجربة تنظيم كأس أوروبا سنة 2004.

فقد سبق لملاعب لوز، وخوسيه ألفالادي، والدراغاو أن احتضنت مباريات كرة القدم الأوروبية. أما التحدي في أفق 2030، فيتمثل في تكييف هذه المنشآت مع المتطلبات التكنولوجية والأمنية والوظيفية التي تفرضها «فيفا».

الخبرة ثمينة، لأنها تجنبنا إعادة اختراع العجلة. لكن ذلك لا يعفينا من التحقق مما إذا كانت العجلة لا تزال تدور بالكفاءة المطلوبة.

ووفق دراسة أنجزتها مؤسسة «PwC»، ونشرها الاتحاد البرتغالي لكرة القدم في دجنبر 2024، يمكن أن يولّد مونديال 2030 أثراً يتجاوز 800 مليون يورو على الناتج الداخلي الخام للبرتغال، وأن يستقطب ما بين 300 ألف و500 ألف زائر، مع إنفاق محلي يتراوح بين 500 و660 مليون يورو.

إنها توقعات مغرية، لكنها ليست شيكات جرى صرفها بالفعل.

ففي التوقعات، تصل الملايين دائماً في الموعد المحدد، أما في الحسابات الفعلية، فقد تتأخر قليلاً.

فتح هنري الملاح أمام البرتغال آفاق البحار البعيدة. أما في 2030، فسيكون التحدي أكثر ارتباطاً بالأرض: نقل المشجعين، وربط مواقع المباريات، واستيعاب تدفقات الجماهير في منافسة موزعة على ثلاثة بلدان.

إن إرث سنة 2004 يمنح البرتغال أفضلية، لكنه لا يعفيها من المراقبة والتقييم.

يمكن للحنين أن يستحضر الأمجاد الماضية، لكنه لا يعوّض التدقيق المالي ولا يغني عن وضع خطة محكمة لحركة السير والتنقل.

فالحنين يمكن أن يكون بوصلة، لكنه لا يصلح وقوداً.

ساعة الحقيقة

منح بول مكارتني وفرقة «وينغز» برنامج «ساعة الحقيقة»، الذي كان يقدمه فرانسوا هنري دو فيريو، موسيقاه الافتتاحية التي أصبحت علامة مميزة في الذاكرة الإعلامية الفرنسية.

وفي مونديال 2030، قد يتغير الديكور، لكن ساعة الحقيقة ستظل هي نفسها: المغرب وإسبانيا والبرتغال مطالبون بتقديم الحساب عن التزاماتهم، بالأرقام والبنيات التحتية والإنجازات الملموسة.

هذه المرة، لن يكون كافياً إتقان شارة البداية، بل يجب ضمان نجاح البث المباشر حتى النهاية.

كتب بليز باسكال: «حقيقة هنا في جهة جبال البرانس، وخطأ هناك في الجهة الأخرى».

وبالنسبة إلى مونديال 2030، يمكن إعادة صياغة العبارة على النحو التالي: «الحقيقة في هذه الضفة من مضيق جبل طارق، والخطأ في الضفة الأخرى».

لكن الحقيقة، هذه المرة، مطالبة بعبور المضيق من دون جواز سفر أو تأشيرة.

تختلف البلدان الثلاثة في تاريخها وإمكاناتها ونماذجها التنظيمية، لكنها تتقاسم السؤال نفسه: هل ستتحول الوعود المعلنة إلى إنجازات فعلية؟

تفصل الجغرافيا بين ملفات الترشيح، لكن المواعيد النهائية لها عادة سيئة: إنها لا تحترم الحدود، وتجد طريقها إلى الجميع.

يمكن للمغرب أن يستند إلى تجربة تنظيم منافستين كبيرتين في الفترة الأخيرة. وعلى إسبانيا أن توفّق بين طموحاتها والاختيارات المرتبطة بالميزانية. أما البرتغال، فيمكنها الاستفادة من منشآتها القائمة، شريطة تكييفها مع متطلبات البطولة.

لن يكون مسموحاً لأي بلد بأن يكتفي بماضيه، أو بخطاباته، أو بوعوده.

ففي سنة 2030، ستكون الذكريات مادة جميلة للاحتفالات، لكن البنيات التحتية هي التي ستكون مطالبة بالعمل، وبالكفاءة المطلوبة، وبالقدرة على الصمود أمام ضغط بطولة عالمية.

إن عمليات التفتيش ليست سوى مرحلة أولى، أما الحكم النهائي فسيأتي لاحقاً.

وإلى ذلك الحين، سيكون على المشاريع أن تغادر قاعات الاجتماعات لتواجه اختبار الميدان.

«فيفا» لن تمنح علامة 10/10 بدافع المجاملة. ستنتظر الأدلة، وستطالب بالنتائج، من دون أي اعتبار للعواطف.

تحرير من طرف أمين بيروك
في 29/10/2026 على الساعة 13:00