على الورق، يدخل المغرب المباراة وهو المرشح الأبرز للفوز أمام منتخب هايتي الذي أُقصي بالفعل بعد تعرضه لهزيمتين. لكن سيكون من الخطأ أن يستخف رجال محمد وهبي بـ « الحصان الأسود » للمجموعة الثالثة. فالمنتخب الهايتي (الغرينادييرز)، بعد تحرره من أي ضغوط، سيسعى جاهداً لمغادرة البطولة بذكرى طيبة، وقد يلعب دور مفسد المفاجآت في مجموعة لا تزال نتيجتها مفتوحة على كل الاحتمالات.
وفي هذا السياق، تطرح مسألة إدارة تشكيلة الفريق نفسها بجدية؛ حيث سيتعين على الناخب الوطني إيجاد التوازن الصحيح بين ضرورة حسم التأهل، والحاجة إلى إراحة بعض الركائز الأساسية استعداداً لدور الـ 32.
Getty Images via AFP
معضلة تدوير اللاعبين
بعد مواجهتين متطلبتين للغاية بدنيًا ضد البرازيل وإسكتلندا، تبدو فكرة إراحة العديد من اللاعبين الأساسيين أمراً منطقياً. فمنذ بداية البطولة، بذل لاعبون مثل أشرف حكيمي، نصير مزراوي، أيوب بوعدي، نائل العيناوي، عز الدين أوناحي، بلال الخنوس، وكذلك إسماعيل الصيباري جهوداً مضاعفة في منظومة تكتيكية تتطلب كثافة عالية، سواء بالكرة أو بدونها.
كما تشكل حالة عيسى ديوب وضعاً خاصاً يجب التعامل معه بحذر، لكونه مهدداً بالإيقاف في حال تلقيه بطاقة صفراء جديدة.
ومع ذلك، قد يبدو قرار إراحة بعض العناصر الأساسية خياراً دقيقاً. فمن جهة، سيسمح هذا الأمر بدخول دور الـ 32 المحتمل بلياقة بدنية وأكثر حيوية، ومن جهة أخرى، قد يؤدي إجراء تغييرات كثيرة في التشكيلة إلى كسر التناغم الجماعي وتشتيت الانسجام الذي شكل مصدر قوة المغرب في مباراتيه الأوليين.
لقد نجح أسود الأطلس في تحقيق توازن ثمين منذ بداية البطولة؛ لذا فإن تدوير اللاعبين لا يعني بالضرورة إحداث ثورة في الفريق بأكمله. بل إن إجراء تغييرات مفرطة قد يشكل مخاطرة غير ضرورية في وقت يبدو فيه أن المغرب قد وجد صيغته المثالية.
الانسجام الجماعي أولاً وقبل كل شيء
تكمن القوة الرئيسية لرجال محمد وهبي في انضباطهم التكتيكي وتنظيمهم الجماعي. ففي مواجهة البرازيل، نجح كتلتهم الدفاعية بخطة 4-4-2 في تقليص المساحات بشكل كبير والحد من خطورة السامبا. أما ضد إسكتلندا، فقد أظهروا وجهاً آخر للعبهم، تميز بمزيد من التحكم الفني والتحرك الهجومي الأكثر سلاسة.
إن المبادئ التي أرساها « البروفيسور » تسمح للمغرب بشغل المساحات بذكاء، والاحتفاظ بالكرة في الأوقات الحاسمة، وخلق الفراغات بفضل التحركات المستمرة للاعبيه.
وفي مواجهة هايتي، قد يكون الحفاظ على هذه الهوية بنفس أهمية النتيجة المحققة؛ فهذه الآليات الجماعية تُبنى من خلال الاستمرارية، وسيكون من المخاطرة التضحية بها تماماً من أجل التدبير البدني.
التسوية المثالية
يبدو أن الحل الأكثر توازناً يكمن في تدوير مدروس للاعبين بدلاً من إجراء تغيير واسع النطاق. لن يكون الهدف تغيير الهوية الكروية للفريق، بل إضفاء الحيوية على بعض المراكز مع الحفاظ على هيكل أساسي صلب.
وبذلك، يمكن لمحمد وهبي الحفاظ على الثوابت الجماعية الضرورية لعمل فريقه بشكل جيد، مع توزيع الجهود بشكل أفضل داخل المجموعة. كما سيتيح هذا النهج إشراك لاعبين أقل استخداماً حتى الآن، والذين قد يلعبون دوراً هاماً في بقية مشوار البطولة.
ويمكن لسيناريو المباراة أيضاً أن يؤثر على خيارات الناخب الوطني؛ فإذا نجح المغرب في أخذ الأسبقية مبكراً، فستكون لديه مساحة للمناورة لإدارة دقائق اللعب وحماية بعض الركائز. في المقابل، إذا ظلت النتيجة معلقة، فسيتعين على الأسود على الأرجح الاحتفاظ بركائزهم الأساسية على أرض الملعب لفترة أطول مما كان متوقعا.
وبعيدا عن الرهان الفوري المتمثل في حسم التأهل، تشكل هذه المواجهة ضد هايتي فرصة ثمينة لمحمد وهبي لتوسيع خياراته وحلوله التكتيكية قبل المرور إلى الأدوار الإقصائية. ميزة لا يمكن الاستهانة بها في بطولة مثل كأس العالم، حيث يؤدي تتابع المباريات سريعاً إلى إجهاد البدني واختبار مدى عمق وجاهزية دكة البدلاء.










