عندما تولّى الجنوب إفريقي باتريس موتسيبي رئاسة “الكاف”، رُفعت شعارات الحكامة الجيدة والاستقرار المؤسساتي واستعادة الثقة لدى الشركاء الاقتصاديين. وعلى المستوى الظاهري، تبدو الحصيلة التجارية مشجعة، خصوصًا مع الأرقام القياسية التي سجلتها كأس أمم إفريقيا 2025. غير أن هذا النجاح ارتبط، في جوهره، بالضمانات الاستثنائية التي وفّرها المغرب لإنجاح الحدث، من بنية تحتية رياضية عالمية، وقدرة تنظيمية ولوجستية عالية، والتزام مباشر من الدولة، ما شكّل أرضية صلبة جذبت رعاة من العيار الثقيل.
Le360
وخلال نسخة المغرب، انضم إلى ركب الشركاء عدد من الفاعلين الكبار، من ضمنهم OCP وRexona وDanone وLonaci وApsonic وSuzuki، إضافة إلى اعتماد “Morocco Now” راعيًا رسميًا للكان في ديسمبر 2025، في خطوة ذات بعد اقتصادي ودبلوماسي واضح. كما جرى تجديد الشراكة مع QNET لمنافسات الأندية لموسم 2025-2026. أرقام العائدات كانت لافتة: 200 مليون دولار في نسخة واحدة، مقابل 98 مليونًا في نسخة كوت ديفوار 2023، و5 ملايين فقط في كاميرون 2021، فضلًا عن ارتفاع عدد الرعاة والناقلين التلفزيونيين والجماهير.
غير أن هذه الدينامية المالية اصطدمت، مؤخرًا، بتقرير صحافي أثار جدلًا واسعًا حول الوضع القانوني للأمين العام للكونفدرالية، فيرون موسينغو-أومبا، بعد انتهاء الأجل الأقصى المسموح به لتمديد ولايته في أكتوبر 2025، دون الإعلان عن قرار تنظيمي واضح يشرعن استمراره في المنصب.
الإشكال هنا لا يقتصر على البعد الإداري أو السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال قانوني جوهري: ما مدى مشروعية العقود والالتزامات التي تم توقيعها بعد هذا التاريخ؟ فالقانون، في أي مؤسسة، يربط صحة القرارات والعقود بسلامة التفويض القانوني للجهة الموقّعة. ومع غياب وثيقة رسمية تثبت تمديد ولاية الأمين العام، تصبح مسألة الصلاحية محل نقاش.
من منظور قانوني، يوضح خبراء أن انتهاء الولاية دون تمديد صريح وموثق يجعل أي تصرف لاحق عرضة لوصف “التصرف خارج الصلاحيات”، وهو ما يفتح الباب، نظريًا، للطعن في صحة بعض الالتزامات. صحيح أن هذا لا يعني بطلانًا تلقائيًا للعقود، لكنه يخلق هشاشة قانونية قد تُستغل في حال حدوث نزاع، سواء من طرف اتحادات عضو أو إدارة مستقبلية أو حتى شركاء تجاريين متضررين.
Patrice Motsepe et Véron Mosengo-Omba.
وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى طبيعة الشركاء المتعاقدين مع “الكاف”، وهم فاعلون اقتصاديون كبار يخضعون لمعايير صارمة في الامتثال والشفافية. فالتعاقد مع مسؤول تنفيذي مشكوك في صفته القانونية قد يعرّض مبدأ “الأمن التعاقدي” للاهتزاز، وهو أحد أعمدة المعاملات التجارية الدولية.
الأمر لا يتوقف عند العقود وحدها، بل يمتد إلى شرعية القرارات الصادرة عن أجهزة تنفيذية يُثار حول تركيبتها هذا الجدل. فسوابق محكمة التحكيم الرياضي تؤكد أن سلامة تشكيل الهيئات القيادية شرط أساسي لصحة قراراتها. والأسوأ أن استمرار هذا الوضع قد يضع “الكاف” في مواجهة انتقادات أو إجراءات من جهات دولية، على اعتبار أن الحكامة الرشيدة شرط مركزي تفرضه الفيفا على الاتحادات القارية.
ورغم حساسية الملف، يلفّ صمت مطبق موقف الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، إذ لم يصدر أي توضيح رسمي مكتوب يبدد الشكوك أو يشرح الإطار القانوني المعتمد. هذا الصمت لا يُعد إدانة في حد ذاته، لكنه يُبقي حالة الغموض قائمة، ويؤثر سلبًا على صورة مؤسسة يفترض أن تكون نموذجًا في الشفافية.
اليوم، تبدو عقود “الكاف” قائمة من الناحية العملية، لكن استمرار الغموض القانوني يضعها في منطقة رمادية، ويحوّل النجاح التجاري إلى إنجاز هش من الناحية المؤسساتية. فالمطلوب ليس فقط توقيع شراكات بملايين الدولارات، بل تحصينها قانونيًا، بما ينسجم مع الخطاب المعلن حول الإصلاح والحوكمة.
وفي كرة القدم الحديثة، لم تعد المصداقية ترفًا معنويًا، بل أصلًا استراتيجيًا لا يقل قيمة عن الألقاب والكؤوس.








