وبعد أشهر من الجدل، انتقلت القضية إلى أعلى درجات التقاضي الرياضي، بعدما طعن الاتحاد السنغالي لكرة القدم في قرار المجلس الاستئنافي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الذي اعتبر المنتخب السنغالي منهزماً بالانسحاب، وسجل نتيجة النهائي بثلاثة أهداف دون رد لصالح المنتخب المغربي، معلناً «أسود الأطلس» أبطالاً لإفريقيا.
16 دقيقة أشعلت القضية
تعود جذور الملف إلى نهائي كأس إفريقيا، الذي احتضنه ملعب المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط يوم 18 يناير الماضي.
وبينما كانت المواجهة بين المنتخبين تلفظ أنفاسها الأخيرة في الوقت بدل الضائع، والنتيجة تشير إلى التعادل السلبي بدون أهداف، أعلن الحكم الكونغولي جان جاك ندالا عن ضربة جزاء لصالح « أسود الأطلس »، بعد العودة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد « الفار ».
هذا القرار أثار احتجاجاً قوياً من الجانب السنغالي، قبل أن يغادر لاعبو « أسود التيرانغا » أرضية الملعب بناء على تعليمات مدربهم بابي ثياو، لتتوقف المباراة لما يقارب 16 دقيقة.
وعاد بعدها المنتخب السنغالي إلى أرضية الملعب، قبل أن يهدر إبراهيم دياز ضربة الجزاء المغربية، ليستأنف اللقاء ويمتد إلى الأشواط الإضافية.
وفي الوقت الإضافي، تمكن باب غي من تسجيل هدف الفوز، ليحسم المنتخب السنغالي المباراة بنتيجة هدف دون رد ويتوج باللقب.
لكن نهاية المباراة رياضياً لم تكن سوى بداية معركة قانونية طويلة.
من العقوبات التأديبية إلى تغيير بطل إفريقيا
في المرحلة الأولى، اكتفت الهيئات التأديبية التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم بفرض عقوبات مرتبطة بعدد من التصرفات التي شهدتها المباراة، دون المساس بنتيجتها.
غير أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، رفضت هذا التوجه، وواصلت تحركها أمام الهيئات القضائية للاتحاد الإفريقي.
وكان جوهر الموقف المغربي يتمثل في سؤال قانوني واضح: هل يحق لفريق مغادرة أرضية الملعب أثناء مباراة نهائية، والتسبب في توقفها لفترة طويلة، ثم العودة لاستكمالها دون أن تترتب عن ذلك العقوبات التي تنص عليها لوائح المسابقة؟
هذا السؤال أصبح لاحقاً محور القضية.
قرار 17 مارس يقلب موازين النهائي
في 17 مارس 2026، أصدر المجلس الاستئنافي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم قراراً قلب المشهد بالكامل.
فبعد طعن جامعة الكرة، ألغى المجلس الاستئنافي القرار السابق في هذا الجانب، واعتبر أن سلوك المنتخب السنغالي يدخل ضمن نطاق المادتين 82 و84 من لوائح كأس إفريقيا.
وخلص إلى أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم، من خلال تصرف منتخبه، خالف المادة 82، ليتم، استناداً إلى المادة 84، اعتبار السنغال منهزماً بالانسحاب وتسجيل نتيجة المباراة بثلاثة أهداف دون رد لصالح المغرب.
وهكذا، انتقل لقب « الكان » 2025 قانونياً من السنغال إلى المغرب.
لكن الاتحاد السنغالي لكرة القدم لم يتقبل القرار، وسارع إلى اللجوء لمحكمة التحكيم الرياضي « الطاس »، حيث سجل طعنه في 25 مارس مطالباً بإلغاء قرار الاتحاد الإفريقي والعودة إلى النتيجة التي تحققت فوق أرضية الملعب.
المادتان 82 و84 في قلب معركة لوزان
من المقرر أن تشكل المادتان 82 و84 محوراً أساسياً في جلسة «طاس».
فالدفاع المغربي يستند إلى تسلسل وقائع يعتبره واضحاً: لاعبو المنتخب السنغالي غادروا الملعب خلال المباراة، وتسببوا في توقفها لمدة طويلة، كما أن الانسحاب تم بناء على تعليمات الجهاز التقني.
AFP
وبالتالي، سيكون على هيئة التحكيم تحديد ما إذا كان هذا السلوك يشكل، من الناحية القانونية، مخالفة تدخل ضمن نطاق المادتين المذكورتين.
ومن المنتظر أن تتمسك جامعة الكرة بالتفسير الذي اعتمده المجلس الاستئنافي للاتحاد الإفريقي، والقائل إن ما حدث يدخل ضمن حالات رفض اللعب أو مواصلة المباراة، وبالتالي فإن العقوبة المطبقة تجد أساسها في لوائح المسابقة.
وبعبارة أخرى، لن تكون «طاس» أمام مهمة إعادة تقييم ضربة الجزاء أو الحكم على أداء الحكم جان جاك ندالا.
تعديلات «إيفاب» لن تكون حاسمة في هذه القضية
زاد الملف تعقيداً بعد التعديلات التي أقرها مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم « إيفاب » في أبريل 2026.
فقد تم تشديد القواعد المتعلقة باللاعبين الذين يغادرون أرضية الملعب احتجاجاً، مع إمكانية معاقبتهم بالطرد، كما أصبحت المسؤولية تمتد إلى المسؤولين الذين يحرضون اللاعبين على مغادرة الملعب.
وتتضمن القواعد الجديدة، من حيث المبدأ، إمكانية اعتبار الفريق مسؤولاً عن التوقف النهائي للمباراة منهزماً بالانسحاب.
لكن هذه التعديلات لا يمكن أن تطبق على نهائي 18 يناير بأثر رجعي، لأنها جاءت بعد وقوع الأحداث.
وبالتالي، فإن الدفاع المغربي لن يستطيع اتخاذ هذه القواعد الجديدة أساساً للحكم في الملف، وسيظل مضطراً إلى الاعتماد على النصوص التي كانت سارية يوم إقامة النهائي، وعلى رأسها المادتان 82 و84 من لوائح كأس أمم إفريقيا.
«طاس» لن تكتفي بمراجعة شكلية
وتكمن أهمية جلسة لوزان أيضاً في الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها محكمة التحكيم الرياضي في قضايا الاستئناف.
فبموجب المادة R57 من قانون « طاس »، تملك هيئة التحكيم صلاحية كاملة لإعادة النظر في الوقائع والقانون.
وبالتالي، لن يقتصر دور المحكمين الثلاثة على فحص قرار الاتحاد الإفريقي من الناحية الشكلية، بل يمكنهم إعادة دراسة الملف والوثائق والحجج المقدمة من مختلف الأطراف، قبل تكوين قناعتهم القانونية الخاصة.
وسيعمل الاتحاد السنغالي على إقناع الهيئة بإلغاء قرار 17 مارس، بينما سيدافع الاتحاد الإفريقي عن قرار مجلسه الاستئنافي.
أما الجامعة الملكية المغربية، فسيكون هدفها إثبات أن الوقائع التي شهدها النهائي تتطابق مع التكييف القانوني الذي اعتمده الاتحاد الإفريقي، وأن العقوبة المطبقة لها أساس واضح في لوائح المسابقة.
ماذا يمكن أن تقرر « طاس »؟
بعد الاستماع إلى الأطراف، ستكون أمام هيئة التحكيم عدة سيناريوهات.
السيناريو الأول يتمثل في تأييد قرار الاتحاد الإفريقي، وهو ما يعني استمرار اعتبار السنغال منهزماً بالانسحاب، والإبقاء على نتيجة 3-0 وتتويج المغرب بطلاً لإفريقيا.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في إلغاء القرار أو تعديله، مع إمكانية إصدار قرار جديد بشأن القضية.
كما يمكن للمحكمة، وفقاً لقواعدها، أن تلغي القرار وتعيد الملف إلى الهيئة السابقة للنظر فيه من جديد.
لذلك، فإن جلسة الخميس لا تعني بالضرورة أن « طاس » ستختار مباشرة بين المغرب والسنغال كبطلين، إذ إن صلاحياتها القانونية تتيح لها خيارات أوسع.
لا حكم يوم الخميس
ومن المهم التأكيد أن جلسة الخميس لن تشهد إعلان الحكم النهائي.
فجلسة 8 أكتوبر مخصصة للاستماع إلى دفوعات الأطراف ومناقشة الملف أمام هيئة التحكيم، قبل أن يدخل المحكمون مرحلة المداولة.
ولم تعلن محكمة التحكيم الرياضي، إلى حدود الآن، عن موعد محدد لإصدار الحكم النهائي.
وبالتالي، ستكون هناك مرحلتان منفصلتان: جلسة الاستماع في لوزان، ثم صدور القرار في موعد لاحق.
معركة قانونية أكثر منها رياضية
بعد قرابة تسعة أشهر من الجدل، تصل قضية نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 إلى مرحلتها الأكثر حساسية.
ففي لوزان، لن يكون النقاش حول نتيجة المباراة فوق أرضية الملعب، ولا حول إعادة احتساب ضربة الجزاء أو إعادة النهائي، وإنما حول سؤال قانوني دقيق: هل كان انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب خلال النهائي يستوجب، وفق لوائح كأس أمم إفريقيا، اعتباره منهزماً بالانسحاب؟
الإجابة عن هذا السؤال ستكون بيد ثلاثة محكمين، وسيكون لكل تفصيل في التقارير الرسمية، ولكل مادة في اللوائح، ولكل واقعة مثبتة في الملف، وزنها في تحديد هوية البطل القانوني لكأس أمم إفريقيا 2025.








