وخلال عرضه أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، ضمن المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، شدد لقجع على أن الرهان المغربي لا ينحصر في توفير المنشآت اللازمة لاستضافة المباريات، بل يقوم على توظيف هذا الموعد العالمي لتسريع أوراش استراتيجية في مجالات النقل والسكك الحديدية والمطارات والطرق والتجهيزات الرياضية.
وفي مقدمة المكاسب المنتظرة، كشف رئيس الجامعة الملكية للكرة أن المحاكاة الاقتصادية المرتبطة بالاستثمارات المبرمجة لتنظيم المونديال تتوقع إحداث أكثر من 840 ألف فرصة شغل، موزعة على قطاعات اقتصادية متعددة، بما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه هذه التظاهرة على سوق العمل والنشاط الاقتصادي بالمملكة.
ست مدن مغربية وأكثر من 30 مركزا لإقامة المنتخبات
وعلى مستوى الخريطة التنظيمية، أوضح العرض أن المغرب اقترح ست مدن لاحتضان مباريات كأس العالم، وهي أكادير والدار البيضاء وفاس ومراكش والرباط وطنجة، إلى جانب توفير أكثر من 30 مركزا لإقامة المنتخبات، موزعة على مختلف مناطق المملكة، بما فيها مدن غير مستضيفة للمباريات، مثل الناظور والحسيمة وورزازات والجديدة وإفران.
ويعكس هذا التوجه رغبة في توسيع نطاق الاستفادة من الحدث العالمي، وعدم حصر المشاريع والأنشطة المرتبطة به في المدن الست، خصوصا أن مراكز إقامة المنتخبات والبنيات الرياضية المصاحبة لها يمكن أن تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز التجهيزات الرياضية بمناطق مختلفة.
الدار البيضاء في قلب التحول.. وملعب بنسليمان يتجاوز المونديال
وحظيت الدار البيضاء بحيز مهم من عرض لقجع، بالنظر إلى المشاريع المرتقبة لتعزيز موقعها باعتبارها أحد المحاور الرئيسية للتنظيم، وفي مقدمتها تطوير مطار محمد الخامس وتحويله إلى قطب جوي، من خلال تشييد محطة جوية جديدة ومدرج إضافي للطائرات وبرج جديد للمراقبة، فضلا عن تحسين الربط السككي بين المطار وشبكة القطار فائق السرعة.
كما توقف الوزير عند مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان، الذي يرتقب أن تبلغ طاقته الاستيعابية 115 ألف مقعد، مؤكدا أن المنشأة لن تكون مجرد ملعب لاحتضان مباريات كأس العالم، وإنما ستشكل فضاء رياضيا يمكن استغلاله بعد البطولة من طرف الأندية الوطنية والمنتخب المغربي.
وفي هذا السياق، أشار لقجع إلى إمكانية احتضان الملعب مباريات الرجاء والوداد والمنتخب الوطني، موضحا أن الحسابات المرتبطة ببرمجة مواجهات هذه الفرق في المسابقات المحلية والقارية والدولية تسمح بتصور تنظيم أكثر من 25 مباراة خلال الموسم الواحد، مع مراعاة الفترات الضرورية لصيانة المنشأة والمحافظة على جاهزيتها.
ورد المسؤول الحكومي على النقاش المتعلق بالمسافة الفاصلة بين الدار البيضاء وملعب بنسليمان، مستحضرا تنقلات المنتخب المغربي خلال مبارياته في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم تكن الرحلات بين مقرات الإقامة والملاعب تقل عن ساعة في بعض الحالات، معتبرا أن المسافة لا تشكل أمرا استثنائيا في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى.
430 كيلومترا للقطار فائق السرعة وشبكات نقل جديدة
وفي ما يتعلق بتحديث شبكة النقل، كشف العرض عن تمديد خط القطار فائق السرعة على محور القنيطرة–مراكش، على مسافة تصل إلى 430 كيلومترا، إلى جانب إحداث خدمات القطارات الجهوية السريعة في أربع جهات، هي الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، ومراكش–آسفي، وطنجة–تطوان–الحسيمة.
وتشمل المشاريع السككية أيضا تحسين الربط بين فاس والقنيطرة، وكهربة الخط الرابط بين فاس ووجدة، في إطار رؤية تستهدف تطوير تنقل المسافرين وتسهيل نقل البضائع والمواد الأولية والمنتجات، بما يخدم الدينامية الاقتصادية للمناطق التي تمر عبرها هذه الشبكات.
أما على المستوى الطرقي، فتتضمن الأوراش المبرمجة إنجاز الطريق السيار القاري الرابط بين الرباط والدار البيضاء، فضلا عن تأهيل محاور الوصول إلى الملاعب الكبرى، ولا سيما المنشأتين المرتقبتين بالدار البيضاء ومراكش.
وبموازاة ذلك، ستستفيد مطارات مراكش وأكادير وفاس وطنجة من عمليات التوسعة والتطوير، في وقت يشكل فيه مشروع تحديث مطار الدار البيضاء أحد أبرز مكونات الرؤية الرامية إلى تعزيز قدرة المملكة على استقبال الجماهير والوفود الدولية وتيسير تنقلها.
استثمارات رياضية تتجاوز المدن المستضيفة
ولم يقتصر العرض على المنشآت المرتبطة مباشرة بالمنافسة، إذ أكد لقجع أن المشاريع الرياضية تشمل مناطق أخرى من المملكة، مستحضرا التحول الذي عرفه ملعب الشيخ محمد لغظف بالعيون، واقتراب افتتاح ملعب الداخلة الذي زاره خلال شهر غشت الماضي، إلى جانب أوراش رياضية في القنيطرة ومكناس.
كما تشمل الخطة تأهيل الملاعب الكبرى في الرباط وطنجة والدار البيضاء وأكادير ومراكش وفاس، وفق المعايير المعتمدة من الاتحاد الدولي لكرة القدم، إلى جانب برامج للتأهيل الحضري في المدن الست المرشحة لاستضافة المباريات، تستهدف تحديث البنيات المرتبطة بالنقل وتحسين المجال الحضري والمباني.
وشدد لقجع على أن هذه الاستثمارات ينبغي أن تحقق توازنا في توزيع التجهيزات الرياضية، وأن تتيح لمختلف مناطق المملكة الاستفادة من الزخم الذي يرافق تنظيم المونديال، بدل اقتصار أثره على المدن التي ستحتضن المباريات.
نموذج مالي يفصل بين مسؤوليات المغرب والفيفا
وفي الجانب المالي والتنظيمي، قدم لقجع تصورا يقوم على توزيع الأدوار بين البلدان المضيفة والاتحاد الدولي لكرة القدم، في نموذج وصفه بالجديد، يركز فيه المغرب وشريكاه على الاستثمار في البنيات التحتية والتكوين، بينما تتولى «فيفا» تدبير العمليات المرتبطة بتنظيم المنافسة.
وبموجب هذا التصور، تتحمل الدول المضيفة نفقات المنشآت والتجهيزات والتكوين، مقابل الاستفادة من العائدات الضريبية وتدفقات العملة الأجنبية المرتبطة بالسياحة والزيارات، فضلا عن فرص الشغل والإرث التنموي. في المقابل، يتكفل الاتحاد الدولي بالمصاريف التشغيلية واللوجستية، بما فيها الموارد البشرية والتصميم والعلامة التجارية، ويستفيد من مداخيل التذاكر وحقوق البث التلفزيوني وخدمات الضيافة والتسويق.
ويتضمن النموذج أيضا ترتيبات ضريبية وجمركية مؤقتة لفائدة الاتحاد الدولي والجهات المرتبطة بتنظيم البطولة، في إطار المتطلبات التنظيمية والمالية الخاصة بهذا الحدث.
لقجع يوضح خلفيات موقفه من نهائي المونديال
وتطرق لقجع كذلك إلى الجدل الذي رافق تصريحاته خلال الحملة الانتخابية بشأن احتضان ملعب بنسليمان المباراة النهائية لكأس العالم 2030، موضحا أن موقفه جاء في سياق توتر مرتبط بملف الهجرة، وما اعتبره توظيفا إسبانيا لهذه القضية في النقاش المتعلق بالتنافس على استضافة النهائي.
وأشار الوزير إلى أن التطورات التي رافقت أزمة الهجرة، ورفع شعارات داخل ملعب بسبتة المحتلة، دفعته إلى الخروج بموقف مباشر تجاه إسبانيا، بعدما لم يكن يرغب، بحسب توضيحه، في الخوض في تفاصيل تنظيم البطولة خلال تلك المرحلة.
ورغم استمرار النقاش بشأن توزيع المباريات والملعب الذي سيحتضن النهائي بين البلدان الثلاثة المنظمة، المغرب وإسبانيا والبرتغال، شدد لقجع على أن الرهان الحقيقي يتجاوز حسم مكان المباراة الختامية، ليشمل قدرة المملكة على تحويل كأس العالم إلى فرصة لتسريع التنمية وتحديث البنيات الأساسية وتحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وبذلك، قدم المسؤول الحكومي تصورا يجعل من مونديال 2030 ورشا وطنيا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الجانب الرياضي والتنظيمي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل شبكة النقل، وتطوير المطارات والطرق، وتوسيع التجهيزات الرياضية، وخلق فرص الشغل، بما يضمن استمرار الاستفادة من الاستثمارات بعد نهاية البطولة.
