أسود الأطلس... وهبي يضبط المحركات ويعلن انطلاق العمل!

مقال رأيبين البحث عن الانتصار وتجهيز المجموعة التي سيعتمد عليها في كأس إفريقيا 2027، يواصل الناخب الوطني محمد وهبي رسم ملامح مشروعه، في مرحلة بدأت فيها مساحة التجريب تتقلص لصالح تأكيد الجاهزية وإثبات الأحقية.

في 05/11/2026 على الساعة 10:00

تحمل المرحلة الجديدة التي يعيشها المنتخب الوطنية شيئاً من المشاهد السينمائية، فهناك أدوار رئيسية، ووجوه شابة تطرق أبواب المنتخب، وأسماء عائدة تبحث عن استعادة مكانتها، وأخرى اعتادت الحضور، لكنها لم تعد تملك ضمانة المشاركة لمجرد وجود اسمها في القائمة.يواصل محمد وهبي إخراج فصول مشروعه مع « أسود الأطلس »، غير أن السيناريو لم يُكتب بعد بشكل نهائي.

ففي كرة القدم، وعلى عكس السينما، لا يستطيع المخرج التحكم بشكل كامل في نهاية المشهد.ومع اقتراب مواجهتي النيجر يومي 13 و17 نونبر، يجد الناخب الوطني نفسه أمام تحد مزدوج: تحقيق الانتصار من جهة، والاقتراب تدريجياً من المجموعة التي يرغب في اصطحابها إلى نهائيات الكان 2027 من جهة أخرى.

وتكتسي فترة التوقف الدولي المقبلة في مارس أهمية خاصة، إذ يُنتظر أن تكون ملامح المنتخب الذي سيخوض المنافسة القارية قد اتضحت بشكل كبير.

بمعنى آخر، ينبغي أن تتراجع مرحلة التجريب تدريجياً، لتحل محلها مرحلة تأكيد الاختيارات والبحث عن الاستقرار.

إنها نسخة محمد وهبي من فيلم «الأزمنة الحديثة»، تشكيلة تتغير، وعادات يجري كسرها، ومنافسة لا تعترف بالأسماء وحدها، بل بما يقدمه اللاعب فوق أرضية الملعب.

المنافسة... الامتياز الوحيد الذي يضمن مكاناً في المنتخب

أبرز ما يمكن استخلاصه من اللائحة الأخيرة لا يرتبط فقط بالأسماء الغائبة، بل بالفلسفة التي يبدو أن محمد وهبي يحاول ترسيخها.

لا داعي للبكاء على الغائبين، فالمجموعة تضم وجوهاً جديدة وأخرى عائدة، أمامها فرصة لإثبات الذات.

غير أن الاستدعاء لا يعني بالضرورة ضمان مكان أساسي، بل يمثل بداية اختبار حقيقي لقدرة اللاعب على إقناع الطاقم التقني.غياب أيوب الكعبي وسفيان رحيمي وعز الدين أوناحي وإسماعيل الصيباري بسبب عدم الجاهزية أو الإصابات، يقلص بعض الخيارات المتاحة أمام الناخب الوطني، لكنه في المقابل يفتح المجال أمام أسماء أخرى للحصول على فرصتها.

وهنا تكمن المفارقة في عالم المنتخبات فالإصابات تشكل ضربة للمجموعة، لكنها قد تتحول إلى فرصة ذهبية للاعبين الذين ينتظرون دورهم منذ فترة.

وكشف وهبي أنه يتابع بشكل أسبوعي أكثر من 60 لاعباً، بمساعدة أربعة محللين، وهو ما يعكس اتساع دائرة المراقبة والبحث عن العناصر القادرة على تقديم الإضافة.

لكن فتح أبواب المنتخب لا يعني الاكتفاء بتوسيع قائمة الأسماء، بل يتطلب تحديد اللاعبين القادرين على الاستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية، وفي الوقت نفسه الانخراط في مشروع طويل الأمد.

كما أن المنافسة لا ينبغي أن تتحول إلى صراع فردي بين اللاعبين، بل يجب أن تخدم مصلحة المجموعة.

فالمنتخب القوي ليس بالضرورة هو الذي يضم أبرز 11 اسماً من الناحية الفردية، وإنما الذي ينجح في إيجاد أفضل توليفة من حيث الانسجام والتكامل.

الاستدعاء يفتح الباب، لكنه لا يمنح مفاتيح غرفة الملابس، ولا يضمن مقعداً أساسياً في التشكيلة.

النصيري... عودة مهاجم لا تمنحه التجربة ضمانة الرسمية

يُعد استدعاء يوسف النصيري من أبرز النقاط التي أثارت الاهتمام في اللائحة الأخيرة. وقد أوضح محمد وهبي خلفيات هذا الاختيار، مؤكداً رغبته في امتلاك حلول هجومية متنوعة، والاستفادة من خصائص مختلفة بحسب مجريات المباريات.

ولا يتعلق الأمر بإبعاد مهاجمين آخرين أو التشكيك في قدراتهم، بقدر ما يرتبط بالبحث عن التكامل بين الخيارات الهجومية.

يمتلك النصيري مجموعة من المؤهلات المعروفة، أبرزها حضوره داخل منطقة الجزاء، وقوته في الكرات الهوائية، وتحركاته خلف المدافعين، فضلاً عن قدرته على تثبيت قلبي الدفاع وفتح المساحات أمام زملائه.

ففي الوقت الذي يفضل فيه بعض المهاجمين التراجع للمشاركة في بناء الهجمات، يتميز النصيري بقدرته على استغلال المساحات وتهديد الدفاعات بتحركاته المباشرة.لكن الاستفادة من هذه الخصائص تظل مرتبطة بمدى قدرة المجموعة على توفير الظروف المناسبة لنجاعته، من خلال تنويع العرضيات، واختيار التوقيت المناسب للتمرير، ومواكبة تحركاته داخل منطقة الجزاء.

النصيري يعود إذن إلى واجهة المشهد، لكن دون ضمان دور البطولة

فتجربته رصيد مهم، غير أن قيمة هذا الرصيد يجب أن تظهر فوق أرضية الملعب. فالماضي قد يضيء الحاضر، لكنه لا يسجل الأهداف نيابة عن صاحبه.

الرهان على الشباب... من يطرق الباب ومن يحصل على الفرصة؟

لا يمكن اختزال تجديد دماء المنتخب في توجيه الدعوات إلى اللاعبين الشباب، بل يتطلب الأمر منحهم فرصة الاحتكاك بمستوى المنافسة الدولية، دون تحميلهم وحدهم مسؤولية مرحلة الانتقال بين الأجيال.

ويبرز في هذا السياق اسم رضا بلحيان، الذي يعود إلى خط الوسط في ظل غيابات فرضت على الطاقم التقني البحث عن تركيبات جديدة.

ويمتلك بلحيان خصائص قد تساعد المنتخب على تحسين عملية تداول الكرة وبناء الهجمات، غير أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرته على اللعب تحت الضغط، واتخاذ القرارات الصحيحة، والحفاظ على التوازن الدفاعي عند فقدان الكرة.

فالموهبة قد تجذب الأنظار، لكن حسن اتخاذ القرار هو ما يصنع الفارق في المباريات.

ومن بين الأسماء العائدة أيضاً أمين السباعي، الذي نوه وهبي بانتظام مستواه وقدرته على شغل أكثر من مركز، سواء في مركز صانع الألعاب أو على الجهة اليسرى.

وقد تمنحه هذه الفترة فرصة للحصول على دقائق لعب أكبر، لكن عليه تحويل ثقة المدرب إلى أداء مقنع داخل الملعب.

أما الوجه الجديد في هذه اللائحة، فهو أيوب أوفقير، الذي يضيف اسماً جديداً إلى قائمة المواهب التي اختارت تمثيل المنتخب المغربي.

وُلد أوفقير بمدينة روتردام الهولندية، وتكوّن في بيئة كروية هولندية، ليعكس بذلك امتداد المواهب المغربية خارج حدود المملكة، ووجود جيل جديد من اللاعبين الذين ولدوا أو نشأوا أو تلقوا تكوينهم في أوروبا، لكنهم اختاروا حمل القميص الوطني.

ولعل أغنية «يا الرايح» للفنان الراحل دحمان الحراشي، التي أعاد رشيد طه تقديمها لجمهور جديد، تلخص جانباً من هذه المسارات فهي أغنية الرحيل والسفر والغربة، وتحمل معاني تتقاطع مع قصص لاعبين تنقلوا بين البلدان والأجيال، قبل أن يجدوا طريقهم إلى المنتخب المغربي.

أوفقير يكتشف الآن أجواء المنتخب الأول، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. فالمطلوب هو ترجمة إمكاناته الفردية إلى إضافة حقيقية للمجموعة.

وربما لا تكون رحلته مع الأسود سوى البداية.

التكيف لا التقليد... كيف يرسم وهبي ملامح أسلوب اللعب؟

يفتح حضور عدد من الأظهرة في اللائحة باباً آخر للنقاش حول التصور التكتيكي الذي يعمل عليه محمد وهبي.

فقد ربط الناخب الوطني بعض اختياراته بمستوى اللاعبين خلال الفترة الحالية، وبالحاجة إلى توفير خيارات متعددة على الأطراف.

لم يعد دور الظهير الحديث مقتصراً على الواجبات الدفاعية أو التقدم على الخط الجانبي لتقديم العرضيات، بل أصبح مطالباً بأدوار متعددة بحسب مراحل اللعب، إذ يمكنه منح العرض في الأطراف، أو الدخول إلى وسط الميدان للمساهمة في البناء، أو مساندة الهجوم، أو البقاء في الخلف لتأمين التوازن ومنع المرتدات.

وبالتالي، فإن النقاش لا يتعلق فقط بالأسماء الموجودة في ورقة المباراة، بل بكيفية توظيف الأطراف، وتنظيم عملية الخروج بالكرة، وحماية المساحات عند فقدانها.

فامتلاك مجموعة من اللاعبين المميزين لا يكفي إذا لم تكن تحركاتهم منسجمة ومتكاملة.

وهنا تبرز فكرة أساسية: التكيف وليس التقليد.لا يتعلق الأمر بفرض أسلوب جاهز أو استنساخ تجربة منتخب آخر، وإنما باستثمار المؤهلات المتوفرة داخل المجموعة، ومعالجة نقاط الضعف، وبناء هوية كروية تتناسب مع خصائص اللاعبين ومتطلبات كرة القدم الحديثة.

فالمنتخب المغربي ليس مطالباً بأن يصبح نسخة من منتخب آخر.

هوية اللعب لا تُصنع بالشعارات، بل تتشكل عبر تكرار المبادئ التكتيكية والانسجام في الاختيارات.

الدار البيضاء تعود إلى الواجهة... وهبي أمام اختبار دون إعادة للمشاهد

تحمل عودة المنتخب المغربي إلى الدار البيضاء لمواجهة النيجر يوم 13 نونبر دلالة خاصة، إذ ستعود الأسود إلى ملعب محمد الخامس بعد غياب دام أربع سنوات ونصف.

ويحمل ملعب دونور مكانة مميزة في ذاكرة كرة القدم المغربية، بما يختزنه من لحظات تاريخية وانفعالات جماهيرية، فضلاً عن العلاقة الخاصة التي تجمع المنتخب الوطني بجماهير العاصمة الاقتصادية.

لكن هذه العودة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد استحضار للذكريات. فالجمهور ينتظر رؤية منتخب واضح المعالم، قوي الشخصية، ومقنع في أدائه.

ليس كافياً أن تعود الأسود إلى ملعب محمد الخامس، بل المطلوب أن تقدم عرضاً يرقى إلى انتظارات الجماهير.

وتشكل مواجهتا النيجر فرصة لتحقيق الانتصار، واختبار الانسجام بين اللاعبين، والوقوف على مدى نجاح بعض الاختيارات التكتيكية، ومنح العمل الذي بدأه وهبي استمرارية ملموسة.

لقد حان الوقت لكي تتحول التجارب إلى نتائج عملية، والاختيارات إلى مؤشرات واضحة حول ملامح المنتخب المقبل.

هنا نستحضر فيلم «الأزمنة الحديثة» لتشارلي شابلن، حيث يحاول الإنسان إيجاد مكانه داخل عالم تفرض فيه الآلات إيقاعاً متسارعاً ونسقاً لا يتوقف.

والأمر لا يختلف كثيراً في كرة القدم الحديثة، التي أصبحت تتطلب سرعة في التفكير، وذكاء في التحرك، وقدرة مستمرة على التكيف والتجديد.

المشهد أصبح جاهزاً، ملعب دونور يستعد لاستعادة أضوائه، والمدرجات تتهيأ للقيام بدورها، والأسود تستعد لدخول أرضية الملعب.

أما محمد وهبي، فقد وزع الأدوار، واستعاد بعض الوجوه، ومنح الفرصة لأسماء جديدة، وترك جزءاً من التشويق معلقاً بشأن التشكيلة النهائية التي سيعتمد عليها.

لكن المدرب لا يستطيع تلقين اللاعبين كل شيء، ولا يمكنه إعادة المشاهد إلى ما لا نهاية. فبمجرد إطلاق صافرة البداية، تصبح الكلمة الأخيرة للميدان.

في دونور يوم 13 نونبر، لن يتعلق الأمر بإعلان ترويجي أو بمقدمة لفيلم جديد، بل بعرض حقيقي أمام جماهير تعرف جيداً ما تنتظره من أسود الأطلس.

على اللاعبين إيجاد الإيقاع المناسب، وتوحيد الأداء، وتحويل المهارات الفردية إلى أداء جماعي متناغم.

فكرة القدم، مثل الموسيقى، لا تكافئ دائماً العازفين الأكثر موهبة، بل تمنح الأفضلية في كثير من الأحيان للمجموعة الأكثر انسجاماً.

وإذا نجح الأسود في عزف هذه السيمفونية بشكل جماعي، فقد يكونون مؤهلين للفوز بجائزة أفضل أداء جماعي.لكن الألقاب لا تُحسم بالتصفيق، ولا تُمنح بالأسماء، وإنما تُنتزع فوق أرضية الملعب.

تحرير من طرف أمين بيروك
في 05/11/2026 على الساعة 10:00